new icn messageflickr-free-ic3d pan white

*زهرة عباد الشمس..أسطورة من اليونان

كانت كلوني حورية في غاية الجمال حيث كانت طويلة الجسم، رشيقة ذات عينين يتألق منهما السحر والجمال وكانت متناسقة الملامح والقسمات حلوة البسمات وكانت ذات شعر ذهبي كثيف يشبه شعاع الشمس.. ومن عادتها اليومية أنها كانت تخرج كل يوم من نبعها لتمشط شعرها الجميل وتجعل منه خصلاً متينة متراصة حول وجهها الجميل.. فيتألق شعرها في ضوء الشمس ويعكس أشعتها ببريق لامع ثم يكسر هذه الأشعة في جميع الاتجاهات فيخيل للناظر أنه يرى هالة من الذهب اللامع والبراق يحيط بوجه الحورية كلوني ذات الجمال الخارق.

كانت كلوني تحب دفء الشمس لذلك كانت تقف في كل يوم وسط غديرها من الصباح الباكر وحتى غروب الشمس كي تتمتع بالدفء المنبعث من الخيوط الذهبية لأشعة الشمس.

وهي على هذه الحال كانت تراقب عربة الإله أبولو أحد كبار آلهة الأغريق وهو يخرج بعربته من أبواب السماء في كل صباح.. فتغمر الكون بأشعة الشمس المشرقة، وتملأ التلال والوديان بالسعادة والحبور.

وذات يوم من الأيام رأت كلوني الإله أبولو يقود عربة الشمس بنفسه واضعاً تاجه البراق على قمة رأسه.. فبدا وجهه الجميل مشعاً ووضاءً. كان أبولو إلهاً يتمتع بالقوة والبأس، وظهر أنيقاً وهو يمسك بأعنة جياده الأربعة بيد قوية صلدة وكأنها الحديد.. لذلك لم تستطع الجياد القوية الإفلات من قوته بل كانت تنقاد إليه طيعة خاضعة.

ظل أبولو يقود جياده الأربعة عبر السماء الفسيحة، المترامية الأطراف طيلة اليوم- وقد لاحظت الحورية وهي تراقب أبولو أنه كان يجول ويصول عبر الطريق الأوسط في عنان السماء ولا يحيد عنه يميناً أو شمالاً. لذلك راحت تراقبه عن كثب وهي معجبة بقوته وجماله وبهائه. إلا أنها سرعان ما داهمها الحزن العميق بعد أن رأت عربة الشمس تميل نحو المغيب، وهناك تختفي ولا يعود في مقدور كلوني التمتع برؤيتها.

عند ذاك خيم على العالم ظلام حالك فاقشعر جسد الحورية فعادت بكل عنفوانها وهي عابسة إلى أعماق المياه وبقيت طوال الليل تحلم بإله الشمس أبولو الفتى اليافع، اللامع الوجه والتي أمست لا تطيق فراقه.

فما إن سطع الفجر الوردي في كبد السماء نهضت الحورية المتيمة من سباتها الليلي بلهفة تعانق السماء وخرجت من غديرها وانتصبت واقفة تترقب بكل لهفة وشغف عودة أبولو .. وقبل أن تخرج من غديرها تزينت وتبرجت بأبهى زينة وصففت شعرها الذهبي حول وجهها.

وبينما هي غارقة في حلمها الجميل ظهر وميض في السماء من الجهة الشرقية كان هذا الوميض أشبه ما يكون بشعاع ذهبي. ثم أعقبه ظهور عربة الشمس بجيادها الأربعة من جديد- فراحت الحورية كلوني تراقب أبولو في شغف وحنين.. وظلت كذلك طوال اليوم تتابع سيره ودورته ببصرها الثاقب دون أي كلل أو ملل! ثم تأوهت وأرسلت الأنات الحزينة عندما أبصرته يعود إلى حيث المغيب ويختفي عن ناظريها ثانية.

مما لا يقبل الشك أن كلوني الفاتنة الجميلة قد وقعت في غرام الإله أبولو وقد استولى على قلبها وعقلها وهيمن على فؤادها وجنانها وغرقت في حبه وعشقه حتى قمة رأسها.. فانطبعت صورته في مخيلتها واستولى على مكامن جسدها فلم تعد تفكر في أحد أو شيء غيره. وعند عودتها إلى أعماق غديرها كانت تنظر بفارغ اللوعة واللهفة انبعاث أول شعاع ذهبي يظهر من رحم السماء كي ترى حبيبها يصول ويجول بعربته التي تجرها أربعة أجياد أواسط الفضاء.

كانت تتمنى وتتوق أن يراها وهي تنظر إليه.. فيبادلها الحب والهيام حيث إنها كانت على يقين من أنه إذا رأها فإنه سيقبل إليها بكل حواسه ويحدثها حديث العاشق الولهان. كما أنه سيعبر لها عن حبه العميق بأعذب العبارات والكلمات.

لذلك كانت كلوني تتفنن في تمشيط شعرها العسجدي البراق حول وجهها الفاتن الصبوح فيبدو كهالة من الذهب الخالص، كما كانت تبدو متألقة متلألئة عند الشروق.. لدرجة أن اخواتها الحوريات كن يصعدن إلى سطح ماء الغدير ويتحسسن شعرها الذهبي بأيديهن.

إلا أن كلوني كانت لا تهتم بأمرهن، إذ جل ما كان يقلقها ويشغلها وما كان يدور في خلدها هو أن تراقب اللحظة التي يقع فيها نظر ابولو عليها فتبتسم له.

لكن ابولو لم يكن ليلتفت الى هذه الحورية المغرورة، أو ينظر إليها، إذ كان دوما ينظر إلى أمامه ولا يلتفت يمينا أو شمالا، وكان دوما ممسكا بأعنة جياده الأربعة وهي تشق طريقها الوعر الشاق في عنان السماء، لهذا، وذاك لم يكن بوسع ابولو ان يرى كلوني الرائعة الجمال وذات الشعر الذهبي الأخاذ ليس بوسعه ان يراها وهي تراقبه بشوق بعينيها اللتين تطفحان شوقا وتفيضان هياما، وبقلب مملوء بالهوى واضناه عدم اكتراث الإله بها.

توالت الأيام وتعاقبت الأسابيع والشهور والأعوام وكلوني المتيمة بحب الإله دائبة على عادتها تتطلع الى ابولو وهو يقود عربته كل يوم خارجا بها من رحم السماء الشرقية مخترقا الآفاق ثم يعود مساء الى البحار الغربية.

كانت تصوب وجهها صوبه ثم تتبعه ببصرها وتقتفي أثره ولكن وللأسف لم تنل بغيتها أو تبلغ منالها فامست حزينة كئيبة فامتنعت عن الطعام والشراب، وجعلت كل همها ان تسكب الدموع سخية، وعندما أرادت أن تتحرك من مكانها في اليوم التاسع من انقطاعها عن الطعام والشراب عجزت عن الحركة.

فبقت في مكانها كامنة وثبتت أقدامها في الأرض تثبيتا وتحولت ذراعها وأصابع يديها أوراقا خضراء، واستحال وجهها المشرق بهالته من الشعر الذهبي المصفف الى زهرة يانعة ناضرة جميلة.

انقلبت الحورية كلوني الى زهرة عباد الشمس وما عاد في مقدورها أن تتكلم فتشكو وجدها وهيامها أو تبكي فتريح فؤادها، ولكنها مع ذلك كانت ولا تزال تدور برأسها العسجدي البراق صوب (إله) الشمس (ابولو) مقتفية اثره طوال اليوم أينما ذهب وحيثما توجه، لذلك اطلق عليها فيما بعد

(زهرة عباد الشمس).

 

ومنذ ذلك الزمن الغابر وحتى يومنا هذا تقوم زهرة عباد الشمس أينما كانت وأينما حلت بالتطلع دوما الى إله الشمس (ابولو) وهو يقود عربته الذهبية عبر السماء الواسعة الأصقاع والأرجاء..

 

أما فوائد هذه الزهرة الفريدة من نوعها فلا تحصى ولا تعد كما هي رمز المحبة والصفاء.

 

بقلم : د.منير طه

  

8,528 views
4 faves
9 comments
Taken on October 25, 2009